منذ فجر التاريخ، ظل الإنسان يلهث خلف الكنوز المدفونة في باطن الأرض، وارتبطت الحضارات الكبرى، من الفراعنة إلى الإمبراطوريات الحديثة، بالسعي الدائم للسيطرة على مصادر الثروة الطبيعية.
من بين تلك الثروات، يبرز الذهب والنفط كأهم عنصرين شكّلا الاقتصاد العالمي وأعادا تشكيل خارطة النفوذ والسياسة والتمويل.—الذهب: المعدن الذي لا يصدأ في عيون المستثمرينالذهب، رمز الثراء والاستقرار، لم يفقد بريقه رغم تعاقب الأزمات الاقتصادية وتطور التكنولوجيا.
فهو ليس فقط زينة أو عملة، بل ملاذ آمن يلجأ إليه المستثمرون في أوقات التضخم أو الأزمات الجيوسياسية.تُستخرج معظم احتياطيات الذهب من المناجم الكبيرة في دول مثل جنوب أفريقيا، أستراليا، الصين، والولايات المتحدة، حيث يتم التنقيب عنه في ظروف صعبة وغالباً مكلفة.ورغم ارتفاع تكاليف التنقيب والتكرير، إلا أن الذهب لا يزال يحافظ على قيمته.
ومن بين الاستثمارات الحديثة، ظهرت شركات ناشئة تستهدف المناجم الصغيرة أو “الودائع المتبقية”، مستفيدة من تقنيات حديثة مثل التصوير الجيولوجي بالذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الخضراء لاستخلاص الذهب بدون مواد سامة كـ الزئبق والسيانيد.—النفط: الدم الأسود الذي يغذي الاقتصاد العالميعلى النقيض من الذهب، يعتبر النفط مصدر طاقة لا غنى عنه.
تعتمد معظم الصناعات والنقل والتدفئة على مشتقاته. يُستخرج النفط من أعماق الأرض أو البحر، ويتطلب عمليات معقدة من الحفر الأفقي والعمودي، وتحليل طبقات الأرض.لكن النفط اليوم يواجه تحديات بيئية كبرى. فمع تصاعد دعوات التحول للطاقة النظيفة، تتراجع الاستثمارات تدريجياً في بعض الدول عن التنقيب،
بينما تستمر أخرى، خصوصاً في إفريقيا والشرق الأوسط، في تطوير حقول جديدة.يُعد الاستثمار في النفط أكثر مخاطرة من الذهب، لكنه أيضاً أكثر ربحاً على المدى القصير، خصوصاً في أوقات الحرب أو ارتفاع الطلب العالمي كما حدث بعد أزمة أوكرانيا، أو خلال فترة جائحة كورونا حين تقلبت الأسعار من
مستويات تاريخية منخفضة إلى قمم غير مسبوقة.—التنقيب والمناجم: الجهد الذي لا يراه أحدوراء كل غرام ذهب أو كل برميل نفط، هناك سنوات من التخطيط والبحث والتنقيب. تعتمد الشركات على دراسات جيولوجية معقدة، وتحفر آلاف الأمتار في عمق الأرض، وتُعرض طواقمها لمخاطر كثيرة.تنتشر المناجم في أماكن نائية غالباً،
حيث تكون البنية التحتية ضعيفة، مما يُصعب من نقل المعدات، ويزيد من خطر الحوادث الميدانية. وعلى الرغم من الاحتياطات، تبقى حوادث السير أثناء التنقل بين مواقع التنقيب شائعة، وغالباً ما تكون مأساوية.
–قصة حقيقية: الحادث الذي هزّ شركة “جيومينا” للاستكشاففي صيف 2024، وبين صحارى الجنوب الشرقي للمغرب، كانت شاحنة تابعة لشركة “جيومينا” المتخصصة في التنقيب عن المعادن، تنقل فريقاً مكوناً من 7 مهندسين وجيولوجيين في طريقهم نحو موقع جديد تم اكتشاف إشارات واعدة فيه بوجود رواسب ذهبية.على الطريق غير المعبد، وفي درجة حرارة قاربت الـ47 درجة مئوية،
نفجر أحد الإطارات الأمامية، فانحرفت الشاحنة بقوة لتسقطا في وادٍ ضيق. كانت لحظة صادمة.توفي على الفور ثلاثة من الطاقم، وأُصيب أربعة بجروح متفاوتة الخطورة، بينهم الخبير الجيولوجي الفرنسي “لوران شافيي”، الذي قاد الاكتشاف.خلّف الحادث أثراً نفسياً عميقاً داخل الشركة، ودفع السلطات والجهات المختصة إلى إعادة النظر في شروط التنقل الميداني والسلامة في مشاريع التعدين، خصوصاً في المناطق القاحلة والخطرة.
رغم الحادث، قررت الشركة، بعد أسابيع من الحداد، استكمال المشروع تخليداً لروح زملائهم، وتم لاحقاً استخراج أول كيلوغرام من الذهب من الموقع نفسه الذي كاد يبتلع أحلامهم.—الاستثمار بين الفرص والمخاطرالاستثمار في الذهب والنفط يُشبه الرقص على الحافة؛ الأرباح عالية، لكن المخاطر كذلك. لا تقتصر المخاطر على الأسواق فقط، بل تمتد إلى الميدان، البيئة، والعنصر البشري
.ومع ازدياد استخدام التقنيات الحديثة، يمكن تقليص الخسائر وتحقيق مكاسب أكثر دقة، خاصة لمن يجيدون قراءة الأسواق ويتقنون دراسة الجدوى بدقة.—خاتمة: باطن الأرض لا يمنح الذهب بسهولةالذهب والنفط،
رغم اختلافهما، يشتركان في كونهما وجهين لعملة واحدة: الطموح البشري للثروة والسيطرة.لكن الحقيقة تظل ثابتة: لا ذهب بدون حفر، ولا نفط بدون مخاطرة، ولا استثمار ناجح بدون وعي…وفي بعض الأحيان، يدفع بعضهم الثمن بأرواحهم، لتستمر عجلة العالم بالدوران.